أبي منصور الماتريدي
111
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال الكلبي : في خفض وسكون ، وتضرع إلى الله . وقوله - عزّ وجل - : لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . قال أبو بكر « 1 » لنكونن من الشاكرين ، أي : لا نوجه الشكر إلى غيرك ، والشكر - هاهنا - : هو التوحيد ، أي : لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الموحدين لك من بعد ؛ لأنهم كانوا يوحدون الله في ذلك الوقت ، لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا غيره في ألوهيته . ألا ترى أنه قال : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونها لم تملك الشفاعة لكم ، ولا الزلفى إلى الله ؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان على علم منهم أنها لا تشفع [ لهم ] « 2 » ، ولا تملك دفع شيء عنهم . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ . اختلف في نزول الآية فيمن نزلت ؟ قال بعضهم : نزلت في مشركي العرب - وهو قول أبي بكر الأصم - لأنها نزلت على أثر آيات نزلت في أهل الشرك ، من ذلك قوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [ الأنعام : 50 ] . وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ . . . الآية [ الأنعام : 46 ] . وقوله : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً . . . [ الأنعام : 61 ] إلى قوله - تعالى - : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ الأنعام : 62 ] : هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك ، فهذه كذلك نزلت فيهم ؛ لأنها ذكرت على أثرها ؛ ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك ، إلا آيات منها نزلت في أهل الكتاب ، وسورة المائدة نزل أكثرها في محاجة أهل الكتاب ؛ لأنه يذكر فيها : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ [ المائدة : 59 ، 68 ، 77 ] . ومنهم من يقول « 3 » : نزلت في أهل الإسلام ، وهو قول أبي بن كعب ، وقال : هن أربع ، فجاء منهن ثنتان بعد وفاة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : ألبسهم شيعا ، وأذاق بعضهم بأس
--> ( 1 ) ذكر ابن جرير في تفسيره ( 5 / 216 ) نحو هذا المعنى . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) قال الخازن في تفسيره ( 2 / 391 ) : اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية فقال قوم عني بها المسلمون من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وفيهم نزلت هذه الآية .